حَصائِدُ الأَلْسُنِ وأَمانَةُ الكَلِمَةُ والتَّحْذِيرُ مِن الاسْتِطالَةِ عَلَى عِرْضِ المسلمِ
- بتاريخ : الثلاثاء 23 رجب 1444ﻫ
- مشاهدات :
حَصائِدُ الأَلْسُنِ وأَمانَةُ الكَلِمَةُ والتَّحْذِيرُ مِن الاسْتِطالَةِ عَلَى عِرْضِ المسلمِ
الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُهُ ونستَعينُهُ ونستَغفرُهُ ، ونعوذُ باللهِ من شرُورِ أنفسِنا وسيئاتِ أعمالِنا ، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مضلَّ له ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له ، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لَهُ ، وأشهدُ أنَّ محمّداً عَبدُهُ ورسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليه وعَلَى آلِهِ وصَحْبِهِ وسَلَمَ تسلِيماً كَثِيراً . ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِين ءَامَنُواْ اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ، أمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ خَيْرَ الكلامِ كلامُ اللَّهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْي هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدّثّةٍ بِدْعَةٌ ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ ، وكُلَّ ضَلاَلَةٍ فِي النَّارِ .
أيُّها الناسُ : اتَّقُوا اللهَ تعالَى ، واعْلَمُوا أَنَّ الكَلِمَةَ في الإسلامِ لها وَزْنُها ، وَلَها مَسْؤُولِيَّتُها ، وَأَنَّ العَبْدَ مَأْمُورٌ بِالقَوْلِ السَّدِيدِ ، وَحِفْظِ اللِّسانِ إلَّا عَن الخَيْرِ ، وَمُؤَاخَذٌ بِمَا يَقُولُ فِي الدنيا والآخرةِ ، وَلَيْسَ حُرًّا في ذلك ، وَلَيْسَ في الإسلامِ مَا يُسَمَّى بِحُرِّيَّةِ الكَلِمَةِ -أَعْنِي بِذلِكَ : الحُرِّيَّةَ الْمُطْلَقَة- ، وَإِنَّمَا هُوَ مَحْكُومٌ بِنُصُوصِ الشريعةِ ، أَوْ بِمَا لَا يُخالِفُ الشَّرْعَ ، ولِذلِكَ صارَ سُكُوتُ اللِّسانِ إلَّا عَن الخَيْرِ مِنْ عَلاماتِ كَمالِ الإيمانِ ، قال رسولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «مَنْ كانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» رواه البخاريُّ ، فَالعَبْدُ مُؤَاخَذٌ بِمَا يَقُولُ ، قالَ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رضي اللهُ عَنْه لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : وإنَّا لَمُؤاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ ؟ ، فقال : «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يا مُعاذُ ، وَهَلْ يَكُبُّ الناسَ في النارِ عَلَى وُجُوهِهِم أَوْ قالَ عَلَى مَنَاخِرِهِم إلا حصائدُ ألسنتِهِم؟» رواه الترمذيُّ وهو حديثٌ صحيحٌ .
عِبادَ اللهِ : آفاتُ اللِّسانِ كَثِيرَةٌ وَخَطِيرَةٌ ، وأَخْطَرُها :
أَوَّلًا : ما يَتَعَلَّقُ بِالشِّرْكِ والكُفْرِ ، فَإِنَّ العَبْدَ قَدْ يَخْرُجُ مِنْ دائِرَةِ الإِسْلامِ بِسَبَبِ لِسانِه ، كَأَنْ يَدْعُوَ غَيْرَ اللهِ ، أَوْ يَسْتَغِيثَ بِغَيْرِ اللهِ ، فَيَدْعُوَ الأَمْواتِ ، أَو الجِنَّ أَو الغائِبِينَ ، وَيَسْأَلَـهُـم الْمَدَدَ وَتَفْرِيجَ الكُرُباتِ ، أَوْ يَتَنَقَّصَ القُرْآنَ ، أِوْ يَسْتَهْزِئَ بِالدِّينِ . وَقَدْ يَتَلَفَّظُ بِشَيْءٍ مِنْ وَسائِلِ الشِّرْكِ ، كَأَنْ يَقُولَ : لَوْلَا اللهُ وَفُلانُ ، وما شاءَ اللهُ وَشاءَ فُلانٌ ، أَوْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللهِ ، كَمَنْ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ وبِوَلَدِهِ وبِحَياتِهِ وَبِالنِّعْمَةِ وَبِالأَمانَةِ وبِالذِمَّةِ .
فَإنَّ ما تَقَدَّمَ هُوَ أَشَرُّ آفاتِ اللِّسانِ ، لِأَنَّه مُتَعَلِّقٌ بِالعَقِيدَةِ .
ثانِيًا : الأَقْوالُ الْمُبْتَدَعَةُ ، لِأَنَّ البِدَعَ تَأْتِي في الْمَرْتَبَةِ الثانِيَةِ بِعْدَ الشِّرْكِ ، كأَذْكارِ الصُّوفِيَّةِ الْمُحْدَثَةِ الْمُخالِفَةِ لِلشَّرْعِ ، والصَّلَواتِ والأَوْرادِ الْمُخالَفَةِ لِلشَّرْعِ ، وَكَذلكَ سَبُّ الدَّهْرِ ، وإلْقاءُ اللَّوْمِ عَلَى القَدَرِ ، والاحْتِجاجُ بِالقَدَرِ عَلى الْمَعاصِي .
وَمِنْ آفاتِ اللِّسانِ الفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ، فَإنَّها بابٌ خَطِيرٌ ، لا يَجْرُؤُ عَلَيْها إلَّا الجُهَّالُ وضُعَفاءُ الإِيمانِ ، والْمُتُعالِمُونَ والْمُراؤُونَ والباحِثُونَ عَنْ الشُّهْرَةِ . وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ في كِتابِهِ أَنَّ القَوْلَ عَلى اللهِ بَغِيْرِ عِلمٍ قَرِينُ الشِّرْكِ .
وَمِنْ آفاتِ اللِّسانِ الكَذِبُ ، فَإنَّه منْ عَلاماتِ النِّفاقِ الظاهِرَةِ ، وُهُوَ مِن كَبائِرِ الذُنُوبِ ، لا يَجُوزُ وَلَوْ كانَ الشَّخْصُ مازِحًا . وأَخْطَرُ الكَذِبِ : الكَذِبُ عَلَى اللهِ وَرَسُولٍهِ ، وَيُشارِكُ ذلكَ في الخُطُورَةِ الكَذِبُ باسْمِ الدَّعْوَةِ إلى اللهِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ دُعاةِ أَهْلِ البِدَعِ .
وَمِنْ آفاتِ اللِّسانِ شَهادَةُ الزُّورِ ، وَهِيَ مِن أَكْبَرِ الكَبائِرِ وأشَدِّها ، وَهِيَ أَنْ يَشْهَدَ الشَّخْصُ لِأحَدِ بِمَا لا يَعْلَم ، أَوْ يَشْهَدَ عَلَى أَحَدٍ بِمَا لا يَعْلَم ، أَوْ يَشْهَدَ في أَمْرٍ وَهُوَ كاذِبٌ والعِياذُ بِاللهِ .
وَمِنْ آفاتِ اللِّسانِ النَمِيمَةُ ، وَهِيَ نَقْلُ الكَلامِ الذي يُثِيرُ الضَّغِينَةَ والحِقْدَ ، وَيَنْشُرُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ . فالنَمَّامُ هُوَ الذي يَنْقُلُ الكَلامَ بَيْنَ شَخْصَيْنِ فَيَتَسَبَّبُ في تَفْرِقَتِهِمَا ، أَوْ يَنْشُرُ الكَلامَ في أَوْساطِ أَقارِبِهِ وأصْحابِهِ وَزُمَلائِهِ فَيَتَسَبَّبُ في تَباغُضِهِمْ وَتَقاطُعِهِمْ ، أَوْ يَبُثُّ الإشاعاتِ الْمُغْرِضَةَ ، وَيَنْشُرُ الْفَوْضَى في بَلَدِهِ ، وُيُثِيرُ الضّغِينَةَ في الْمُجْتَمَعِ ، لِيُفْسِدَ العَلاقَةَ الأُسَرِيَّةَ ، والعَلاقَةَ بَيْنَ الْمُجْتَمَعِ وَوُلاتِهِ . فَالنَّمامُ خَبِيثُ النَّفْسِ ، مُفْسِدٌ في الأَرْضِ . وَجَريمَتُهُ مِنْ أسْبابِ عَذابِ القَبْرِ ، وقال عليه الصلاةُ والسَّلامُ فِي شَأنِهِ : «لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ نَمَّامٌ» رواه مسلمٌ .
وَمِنْ آفاتِ اللِّسانِ الغِناءُ ، مِزْمارُ الشَّيْطانِ ، وَبَرِيدُ الزِنا ، وَمَنْبَتُ النِّفاقِ . اتَّفَقَ الصَحابَةُ وأَئِمَّةُ التابِعِينَ والأَئِمَّةُ الأَرْبَعَةُ عَلى تَحْرِيِمِه ، وحَلَفَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعُودٍ رَضِي اللهُ عَنْهُ أَنَّه لَهْوُ الحَدِيثِ المَذْكُورُ في القُرْآنِ .
باركَ اللهُ لِي وَلَكُم فِي القُرآنِ الْعَظِيم ، وَنَفَعنِي وَإِيّاكُمْ بِمَا فِيِه مِنْ الآيَاتِ وَالذّكرِ الْحَكِيم ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُون ، وَاسْتَغْفُرُ اللهَ لِي وَلَكُم وَلِسَائرِ الْمُسْلِمِين مِنْ كُلِّ ذَنبٍ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم .
الخطبةُ الثانيةُ
الْحَمْدُ للهِ عَلى إِحسانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوفِيقِهِ وَامتِنَانِهِ ، وَأشهدُ أن لا إلهَ إِلا اللهُ وحدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأشهدُ أنَّ مُحمّداً عَبدُهُ وَرسولُهُ ، صلَّى اللهُ عليهِ وعلى آلِهِ وصحبِهِ وسلَّمَ تسليماً كثيراً . أَمّا بَعدُ : عِبادَ اللهِ : وَمِنْ أَعْظَمِ آفاتِ اللِّسانِ الاسْتِطالَةُ عَلَى عِرْضِ الْمُسْلِمِ ، فَإنَّها مِنْ وَرْطاتِ الأُمُورِ التي نَتَساهَلُ فِيها في مَجالِسِنَا وَكِتاباتِنَا وَمُشارَكاتِنَا في وَسائِلِ التَّواصُلِ ، وَتَشْمَلُ أُمُورًا ثَلاثةً :
أَوَّلُها : القَذْفُ ، أَحَدُ الْمُوبِقاتِ السَّبْعِ العِظامِ ، وَهُوَ اتِّهامُ الْمُسْلِمِ أَوْ الْمُسْلِمَةِ بِالزِّنَا أوْ اللِّواطِ أَو الفاحِشَةِ ، وَغَيْرُ ذلكَ مِمَّا يُدَنِّسُ العِرْضَ .
والثانِي : القَوْلُ في الْمُسلِمِ بِما لَيْسَ فِيهِ ، أَوْ اتِّهامُه بِتُهْمةٍ باطِلَةٍ ، أَوْ وَصْفُهُ بِمَا يُشَوِّهُ سُمْعَتَه وَهُوَ عَلى خِلافِ ذلكَ . وَهذا هُو البُهْتانُ ، وَهُوَ أَشَدُّ مِن الغِيبَةِ .
الثالِثُ : الغِيبَةُ ، وَهِيَ ذِكْرُكَ أَخاكَ الْمُسْلِمَ بِمَا يَكْرَهُ ، قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ : «لَمَّا عُرِجَ بِي مَرَرْتُ بِقَوْمٍ لَهُمْ أَظْفَارٌ مِنْ نُحَاسٍ يَخْمِشُونَ وُجُوهَهُمْ وَصُدُورَهُمْ» ، فَقُلْتُ : «مَنْ هَؤُلَاءِ يَا جِبْرِيلُ؟!» ، قَالَ : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ لُحُومَ النَّاسِ وَيَقَعُونَ فِي أَعْرَاضِهِمْ ، رواه أبو داوودَ وهو حديثٌ صحيحٌ .
ومِنْ آفاتِ اللِّسانِ يا عِبادَ اللهِ : السَّبُّ واللَّعْنُ والسُّخْرِيَةُ ، وَغَيْرُ ذلكَ مِمَّا حَرَّمَ اللهُ التَلَفُّظَ بِهِ ، فإنه يَجِبُ تَقْوَى اللهِ وحِفْظُ اللِّسانِ عَنْها .
اللهمَّ إنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ أَسْماعِنَا وأَبْصارِنا وأَلْسِنَتِنا وَقُلُوبِنا وَفُرُوجِنا ، اللهُمَّ آتِ نفوسَنا تقواها وزَكِّها أنت خيرُ مَنْ زكَّاها أنت وليُّها ومولاها ، اللهُمَّ خَلِّصْنا من حقوقِ خَلْقِكَ ، وباركْ لنا في الحلالِ من رِزْقِك ، وتوفَّنا مسلِمين وألحقْنا بالصالحين ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين ، اللهُمَّ أصلحْ أحوالَ المسلمين حُكَّاماً ومحكومين ، اللهُمَّ إنا نعوذُ بك مِنْ جَهْدِ البلاءِ ودَرَكِ الشَّقَاءِ وسُوءِ القَضَاء وشَمَاتَةِ الأَعْداءِ ، اللهُمَّ إنا نعوذُ بك من زوالِ نعمتِك وتحوُّلِ عافيتِك وفُجْأَةِ نقمتِك وجميعِ سَخَطِك ، اللهُمَّ احفظْ بلادَنا من كيدِ الكائدين وعدوانِ المعتدين ، اللهُمَّ أخرجْها من الفِتَنِ والشرورِ والآفاتِ ، واجْعَلْها أقوى مما كانت ، وأمكنَ مما كانت ، وأغنى مما كانت ، وأَصْلَحَ مما كانت ، اللهُمَّ أصلحْ حُكَّامَها وأهلَها واجمعْ كلمتَهم وأَلِّفْ بين قلوبِهم واجْعَلْهم يداً واحدةً على مَنْ عَداهُم يا قويُّ يا عزيزُ ، اللهُمَّ اغفرْ للمسلمينَ والمسلماتِ والمؤمنينَ والمؤمناتَ ، الأحياءِ منهم والأمواتِ ، إنَّك سميعٌ قريبُ مُجِيْبُ الدَّعَوَاتِ ، ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ .
تنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : t.me/kutab
وصلنا إلى 19 مجموعة ولله الحمد ، مثال : مجموعة الواتس أب رقم 15 :
https://chat.whatsapp.com/HPw1AePG02o8RbGJkoZ4vc