المَدَدُ من اللهِ ، وشَنَاعَاتُ الشِّرْكِ
- بتاريخ : الثلاثاء 23 رجب 1444ﻫ
- مشاهدات :
المَدَدُ من اللهِ ، وشَنَاعَاتُ الشِّرْكِ
الخطبة الأولى
إنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْـدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِىَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيـكَ لَـهُ ، وَأَشْـهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا ڰ يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ، ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ ڰ أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ ڰ وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ .
أَمَّا بَعْدُ : فَإِنَّ خَيْرَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ r ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا ، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ .
أيُّها الـمُسْلِمُون ، حَقُّ اللهِ الأعظمُ على العبادِ «أنْ يعبدُوه ، ولا يُشْركوا به شيئاً» ، فمَا خَلَقَ اللهُ العبادَ إلا لعبادتِه الخالصةِ ، ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ ، وما أَمَرَهم اللهُ إلا بإخلاصِ العبادةِ ، ﴿وَما أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفاءَ﴾ ، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
أيُهَا الناسُ ، وحَقُّ العبادِ على اللهِ فضلاً منه وكَرَمَاً ألَّا يُعَذِّبَ مَنْ لا يشركُ به شيئاً ، وأنْ يُدْخِلَه الجنَّةَ ، سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ : ما الـمُوجِبَتانِ ؟ ، فقالَ : «مَن ماتَ لا يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ الجَنَّةَ ، ومَنْ ماتَ يُشْرِكُ باللَّهِ شيئًا دَخَلَ النَّارَ» ، رواه مُسْلِمٌ .
وأنْ يغْفِرَ ذنوبَه مَهْمَا كَثُرَتْ ، «يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ أَتَيْتَنِي بِقُرَابِ الْأَرْضِ خَطَايَا ، ثُمَّ لَقِيتَنِي لَا تُشْرِكُ بِي شَيْئًا لَأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً» ، حَسَنٌ رواه التِّرْمِذِيُّ .
عبادَ اللهِ ، ركنُ التوحيدِ الأوَّلُ في كلمةِ التوحيدِ (لا إلهَ إلا اللهُ) ؛ (لا إلهَ) ، وهي نفيٌ للشركِ وإبطالٌ للألوهيَّةِ الحقَّةِ عن كلِّ المعبوداتِ من دونِ اللهِ ، نفيُ جميعِ ما يُعْبَدُ من دونِ اللهِ ، واعتقادُ بطلانِ عبادتِها ، وتركُ عبادتِها.
يا أهلَ التوحيدِ ، الشركُ ظلمٌ عظيمٌ ، قالَ الرجلَ الصالحَ لقمانَ لابنِه وهو يَعِظُه ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ .
والشركُ افتراءٌ عظيمٌ ، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ .
والشركُ ضلالٌ بعيدٌ ، ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ .
والشركُ أعظمُ الذنوبِ وأقبحُها ، قيلَ يا رسولَ اللهِ أيُّ الذنبِ أعظمُ؟ ، قالَ : «أنْ تجعلَ للهِ نداً وهو خَلَقَكَ» ، متَّفَقٌ عليه.
والشركُ والمشركون رِجْسٌ ونَجَسٌ ، ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ ، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ .
بسببِ الشركِ باللهِ العظيمِ كادت السمواتُ بأفلاكِها ، والجبالُ الراسياتُ بأثقالِها ، والأرضُ الـمِهَادُ بفجاجِها ، أوشكتْ أنْ يختلَّ نظامُها وتنفَطِرَ وتنشَقَّ وتنْهَدَّ أركانُها .
المشركُ خالدٌ في النارِ وحرامٌ عليه جَنَّةُ الأبرارِ ، ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ .
وإذا ماتَ الـمُشْرِكُ وصُعِدَ بروحِه إلى السماءِ لا تُفَتَّحُ لها أبوابُ السماءِ ، بل تطرحُ روحُه إلى الأرضِ طَرْحاً من هناك ، ويضغطُه القبرُ حتى تختلفَ أضلاعُه .
لم يرسل اللهُ رُسَلَه إلى أهلِ الأرضِ إلا لـمَّا وَقَعَ الشركُ منهم وفيهم ، فالشركُ أبشعُ الذنوبِ وأقبحُها وأبغضُها إلى اللهِ .
الشركُ سقوطٌ بعيدٌ سحيقٌ في ظُلُمَاتِ الضَّلَالةِ ، والمشركُ بعيدٌ عن ربِّه وعن الهدى والحقِّ كبُعْدِ السَّاقِطِ من السماءِ ، ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ﴾ ، فَمَثَلُ الـمُشْركِ باللهِ في بُعده من ربِّه وبُعْدِه من الهدىِ والحقِّ كبُعدِ هذا الواقعِ من السماءِ إلى الأرضِ مع سَوْقِ الريحِ له إلى مكانٍ سحيقٍ بعيدٍ ، وهو مُتَعَرِّضٌ للآفاتِ والبَلِيَّاتِ والهَلَكَةِ كهلاكِ مَنْ تَخَطَّفَتْه الطيرُ بمخالبِها ومَزَّقَتْه وهو في الهواءِ لا يستطيعُ لها دَفْعَاً .
ولتعظيمِ جريمةِ الشِّركِ أوحى اللهُ إلى خَوَاصِّ عبادِهِ وأكملِهِم توحيداً ، أنبيائِهِ ورُسُلِه ؛ ببطلانِ العملِ بالشِّركِ والخُسْرانِ لـِمَنْ أَشْرَكَ ، ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
ودعوةُ الأنبياءِ كلِّهِم قائمةٌ في أصلِها على النهيِ عن الشركِ والتحذيرِ منه ، مع الدعوةِ للتوحيدِ ، ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ .
ولعظيمِ جريمةِ الشِّرْكِ وبشاعتِه وقبحِه ؛ فإنّه لما وقعَ بنو إسرائيلَ في عبادةِ العجلِ وفُتِنَتْ قُلُوبُهم به ، وهم للتَّوِّ قد رأوا الآيةَ العظمى الدالَّةِ على ربوبيِّةِ ربِّهم واستحقاقِه للعبادةِ ؛ جعلَ اللهُ شَرْطَ توبتِه عليهم أنْ يقتلَ بعضُهم بعضَاً ، ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ .
قالُ ابنُ عبَّاسٍ رضيَ اللهُ عنهما : أَمَرَ موسى قومَه بأمرٍ من ربِّه عزَّ وجَلَّ أنْ يقتُلوا أنفسَهم ، فاحتبَى الذين عَبَدُوا العجلَ فجلسُوا وقامَ الذين لم يَعِكِفُوا على العجلِ فأخذوا الخناجرَ بأيديهم ، وأصابَتْهم ظُلَّةٌ وظُلْمَةٌ شديدةٌ ، فجعلَ يقتلُ بعضُهم بعضا ، فما انْجَلَتْ الظُلَّةُ عنهم ، إلا وقدْ قُتِلَ منهم سبعون ألفَ قتيلٍ ، في مشهدٍ رهيب رهيبٍ ، وكُلُّ مَنْ قُتِلَ منهم كانت له توبةٌ وشهادةٌ ، وكُلُّ مَنْ بقيَ كانت له تَوْبَةٌ .
ما أقبحَ الشركَ وأعظمَ جُرْمَه عندَ اللهِ ، ففي الشركِ مَسَبَّة للهِ ، وانتقاصٌ لجنابِه العظيمِ ، وسُوءُ أدبٍ مع مقامِه الكريمِ ، فالشِّرْكُ صَرْفٌ لخالصِ حقِّ اللهِ تعالى لغيرِه ، وفيه تسويَةٌ للمخلوقين الناقصين الضعيفين العاجزين بالخالقِ العظيمِ سبحانَه .
لذا سيندَمُ المشركون يومَ الدين ويقولون لمنْ كانوا بهم يُشْرِكون : ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ ڰ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ، فلا تُقْبَلُ منهم المعاذِيرُ ، يَوْمَ ﴿لَا يَنفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ .
فيا عبادَ اللهِ ، لا عُذْرَ لمنْ وقعَ في الشِّركِ بعد الإيضاحاتِ والتحذيراتِ الرَّبَّانيَّةِ البليغةِ المتكرِّرَةِ المتنوِّعَةِ ، أفيُقْبَلُ من مسلمٍ قرأَ القرآنَ أنْ يقولَ : لا أعرفُ الشِّرْكَ ولا أدري ما هو ، فلا عُذْرَ مقبولٌ .
فاعرِفُوا الشركَ عبادَ اللهَ واجتنبُوه واحذروُه ، كبيرَه وصغيرَه ووسائلَه وذرائِعَه ، فالخَطْبُ عظيمٌ جسيمٌ .
باركَ اللهُ لي ولكم في القرآنِ العظيمِ ، ونفعني اللهُ وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيمِ ، أقولُ ما تسمَعون ، وأستغفرُ اللهَ لي ولكم ولجميعِ المُسلمين من كلِّ ذنبٍ ، فاستغفِروه ، إنه هو الغفورُ الرحيمُ .
الخطبةُ الثانيةُ
الحمدُ للهِ على إحسانِه ، والشكرُ له على توفيقِه وامتنانِه ، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له تعظيمًا لشأنِه ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانِه ، صلَّى اللهُ عليه وعلى آلِه وأصحابِه وإخوانِه ، وسلَّم تسليمًا كثيرًا .
أيها المسلمون ، مَن الذي أَمَدَّنا بالحياةِ وبأنواعِ العطايا والهِبَاتِ ؟ ، من الذي أَمَدَّنا بالأرزاقِ وبالأموالِ والبنينِ والبناتِ؟ ، مَنْ الذي أَمَدَّنا بالأسماعِ والأبصارِ والقُوَّةِ والقُدْرَةِ والصِّحَةِ؟ ، إنَّه الغنيُّ الكريمُ الحيُّ القيُّومُ المنَّانُ ذو الفضلِ والإحسانِ .
فالـمَدَدُ كُلُّه من اللهِ الـمُعْطِي المنَّانِ ، ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ ، ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ ، ﴿وَيُمْدِدْكُم بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَل لَّكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَل لَّكُمْ أَنْهَارًا﴾ .
لا يملكُ الـمَدَدَ إلا اللهُ ، ولا يَقْدِرُ عليه إلا اللهُ السميعُ القريبُ الـمُغِيْثُ ، ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ .
مَثَلُ مَنْ طَلَبَ المددَ من الأولياءِ لنَصْرٍ أو نَفْعٍ أو دَفْعٍ أو حِفْظٍ كَمَثَلِ مَن احتمَى بِـمِثْلِ بيتِ العنكبوتِ ، فهل يُغْني عنه شيئاً ؟ ، ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ .
الـمَدَدُ كُلُّه من اللهِ ، فكيفَ يُطْلَبُ الـمَدَدُ من غيرِ اللهِ .
طَلَبُ الـمَدَدِ دعاءٌ ، والدُّعَاءُ عبادةٌ ، والعبادةُ للهِ وحدَه ، فلا يُدْعَى غيرُ اللهِ كائناً مَنْ كانَ ، قالَ اللهُ تعالى : ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ ، أيَّ أحدٍ كان .
﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ .
إذنْ لا يُطْلَبُ الـمَدَدُ إلا من اللهِ ، لأنَّه لا يَقْدِرُ على الـمَدَدِ إلا اللهُ ، ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِن قِطْمِيرٍ ڰ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ ، ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ .
فَمِنْ غِشِّ المسلمين ومخالفةِ دينِ الأنبياءِ والمرسلين ؛ تجويزُ طَلَبِ الـمَدَدِ من غيرِ ربِّ العالمين ، فهو تجويزٌ للشِّرْكِ باللهِ ربِّ العالمين ، ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ﴾ ، ﴿أَءِلَــــهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ .
ومِنْ غِشِّ المسلمين والبشريةِ أجمعين ، أنْ يُقَصِّرَ الدعاةُ والخطباءُ والعلماءُ بالدينِ ، في بيان التوحيدِ أصلِ الدينِ ، وبيانِ حقيقةِ الشِّرْكِ الـمُضَادِّ له .
ومِنْ غِشِّ المسلمين ألَّا يُعَلَّمُوا أنَّ أعظمَ أسبابِ ذُلِّهم وهوانِهم هو إخلالُهم بالتوحيدِ ووقوعُهم في الشِّرْكِ .
إنَّ أشدَّ جُرَاحَاتِ الأُمَّةِ التي أنْهَكَتْها ، وأخطرَ أمراضِها التي أوهَنَتْهَا ، وكانت سبَباً في ذُلِّها وهوانِها وعدمِ تمكينِها ، الإخلالُ بالتوحيدِ والوقوعُ في صُنُوفٍ من الشركِ ، ولقد قالَ اللهُ تعالى في صِفَةِ عبادِه الـمَـوْعُودِين بالاستخلافِ والتمكينِ : ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ .
فجَانِبُوا الشِّرْكَ عبادَ اللهِ الموحِّدِين ، واحْذَرُوه وخَافُوا الوقوعَ فيه كما خافَ أئمةُ الدِّيْنِ .
واعلمُوا رَحِمَكُم اللهُ أنَّ من أوجبِ الواجباتِ على كلِّ مسلمٍ ومسلمةٍ تَعَلُّمَ معنى التوحيِد والتَّمَسُّكَ به ، وتَعَلُّمَ معنى الشركِ واجتنابَهُ والخلاصَ منه ، فلا يستقيمُ توحيدُ العبدِ إلا باجتنابِ الشِّركِ والتبرُّئِ منه .
﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ ، ﴿هَٰذَا بَلَاغٌ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ﴾ .
اللهم أحيِنا على التوحيدِ والسُّنَّةِ ، وأَمِتْنَا على التَّوحيدِ والسُّنَّةِ .
عبادَ اللهِ ، إنَّ اللهَ أمرَكم بالصلاةِ والسلامِ على نبيِّه ، فقال في مُحكَم التنزيل : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ .
اللهُمَّ صلِّ وسلِّمْ على عبدِك ورسولِك محمَّدٍ ، وارضَ اللهم عن خُلفائِه الأربعةِ ، أبي بكرٍ ، وعُمرَ ، وعُثمانَ ، وعليٍّ ، وعن سائرِ صحابةِ نبيِّك أجمعين ، وعن التابعين ومَنْ تبِعَهم بإحسانٍ إلى يومِ الدين ، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك يا أرحمَ الراحمين .
اللَّهُمَّ إنِّا نعوذُ بك أن نُشرِكَ بك ونحن نعلَمُ ، ونستَغفِرُك لِما لا نَعْلَمُ .
اللهم أعزَّ الإسلامَ والمسلمين ، وأذلَّ الشركَ والمشركين ، ودَمِّرْ أعداءَ الدينِ ، واجعلْ هذا البلدَ آمناً مطمئناً سخاءً رخاءً وسائرَ بلادِ المسلمين .
اللهُمَّ وَفِّقْ إمامَنا ووليَّ أمرِنا لما تحبُّ وترضَى ، اللهُمَّ أَعِنْهُ ووليَّ عهدِه على البرِّ والتقوى ، وهيِّئْ لهم البطانةَ الصالحةَ الناصحةَ التي تدلُّهم على الخيرِ وتعينُهم عليه يا ربَّ العالمين .
اللهم احفظْ جنودَنا المرابطين على الثغورِ ، اللهم قوِّ عزائمَهم وسَدِّدْ سِهَامَهم ، واكبِت أعداءِهم ، وتقبَّلْ شهيدَهم ، وعاف جريحَهم ، وانصرْهم على القومِ الباغين ، يا قويُّ يا عزيزُ .
اللهُمَّ أعنَّا ولا تُعِنْ علينا ، وانصُرْنا ولا تنصُرْ علينا ، وامكُرْ لنا ولا تَمْكُرْ علينا ، واهدِنا ويسِّرْ الهدى لنا ، واجعلْنا من عبادِك الموحِّدين المتوكلين .
اللهُمَّ اشفِ مرضانا ، وعافِ مبتلانا ، وارحَمْ موتانا ، وانصرنا على مَنْ عادانا .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ .
سبحانَ ربِّك ربِّ العزَّةِ عمَّا يصفون ، وسلامٌ على المرسلين ، والحمدُ للهِ ربِّ العالمين .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام : https://t.me/kutab
مجموعة خطب منبرية رقم 8 في الواتس أب