توفيقُ اللهِ لعبادِه

توفيقُ اللهِ لعبادِه

الخطبةُ الأولى

 إِنَّ الْحَمْدَ للهِ ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ ، وَمْنْ يَضْلُلُ فَلَا هَادِيَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدُهُ لا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدَاً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ ، أَمَّا بَعْدُ :

عِبَادَ اللَّهِ ، سَلُوا اللهَ تَعَالَى رَبَّكُمْ التَّوْفِيقِ فِي كُلِّ أُمُورِكُمْ وَجَمِيعِ مُصَالِحِكُمْ وَسَائِرِ شُؤُونِكُمْ ؛ فَإِنَّه جَلَّ وَعَلَا بِيَدِهِ الْأَمْرُ كُلُّه ؛ وَنَوَاصِي الْعِبَادِ بِيدِهِ ، وَهُمْ أَجَمْعَيْنْ طَوْعُ تَسْخِيرِهِ وَتَدْبِيرِهِ ، لَا غِنَاءَ لِهُمْ عَنْهُ طَرْفَةَ عَيْنَ ، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ .

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينْ ، مَا أَحَوَجَ الْعَبْدَ أَنْ يَسْتَشْعِرَ هَذَا الْمَقَامَ ؛ مَقَامَ حاجَتِهِ وَاِفْتِقَارِهِ وَضَرُورَتِهِ إِلَى اللهِ بِأَنْ يوفِّقَهُ فِي كُلِّ أُمُورِهِ وَجَمِيعِ أَعْمَالِهِ ، وَتَأَمَّلُوا فِي اِلْتِجَاءِ نَبِيَّ اللَّهِ شُعَيْبٍ عَلَيه السّلامُ وَهُوَ يَدْعُوَ قَوْمَهُ إِلَى اللهِ جَلَّ فِي عُلاَهُ حَيْثُ يَقُولْ : ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلا الإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ .

مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ تَعَالَى للعبدِ أنْ يجعلَهُ ممنْ إذا أُعطيَ شكرَ ، وإذا ابتُلِيَ صبرَ ، وإذَا أذْنبَ استغفرَ ، فإنَّ هذه الثَّلاثَةَ عِنوانُ السَّعادةِ في الدُّنيا والآخرةِ .

«عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن : إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ» ، فالتوفيقُ ليسَ مجرَّدُ كَلمةٍ تُقالُ ، بل هو منهجُ حياةٍ وأقوالٌ وأفعالٌ ، هوَ نشاطٌ يجدُه العبدُ فِي طاعاتِه وأعمالِهِ ، وهوَ تسديدٌ يراهُ فِي أقوالِه وأفعالِه ، لَا يُعرفُ لَه سببٌ إلَّا قولَه تعالَى : ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ﴾ .

التَّوفيقُ تجدُهُ ظاهراً عندَ أصحابِ القلوبِ الصَّادقةِ ، والنَّوايا الطَّيبةِ ، والمقاصدِ السَّليمةِ ، كمَا قالَ تعالَى فِي الزَّوجينِ : ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا﴾ ، فعندَ إرادةِ الإصلاحِ بالقلوبِ ، يأتي التَّوفيقُ من علَّامِ الغيوبِ .

مِنْ توفيقِ اللهِ تعالَى للعبدِ أنْ يجعلَهُ حريصاً علَى العلمِ ومعرفةِ الأسبابِ ، ومُجتهداً فِي معرفةِ سُبُلِ الخيرِ والصَّوابِ ، واسمعُوا لِمنْ وفَّقَه اللهُ مِنَ الأَعرابِ ، عَنْ أَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أَنَّ أَعْرَابِيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ ، فَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنَ الْجَنَّةِ ، وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ ، قَالَ : فَكَفَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ قَالَ : ««لَقَدْ وُفِّقَ هَذَا» ، قَالَ : «كَيْفَ قُلْتَ؟» ، قَالَ : فَأَعَادَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ …» ، رواه مسلم .

ثُمَّ مِنْ توفيقِ اللهِ تعالَى للعبدِ أنَّه يُعينَه علَى العملِ ، بعدَ أنْ أرشدَهُ إلَى العلمِ ، فهلْ تجدُ فِي نفسِكَ حبَّاً للعملِ الصَّالحِ والإيمانِ ، وكُرهاً للكفرِ والفُسوقِ والعِصيانِ؟ ، إذَا كانَ الجوابُ : نعمْ ، فأنتَ ممَنْ وفَّقكَ اللهُ العزيزُ الرَّحمنُ ، يقولُ تعالَى : ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ ، ولذلكَ تَرَى أنَّ هناكَ من يعصمْهُم اللهُ تعالَى عَنْ معصيتِه توفِيقَاً وتَسديداً ، ويُعينُهُم عَلَى طاعتِه تثبيتاً وتأييداً ، ومِثالُ ذلكَ يوسفُ عندَمَا تعرَّضَ لوسائِلِ الإغرَاءِ ، جاءَه العونُ والتَّثبيتُ مِنَ السَّماءِ ، توفِيقَاً وفضَلاً مِنَ اللهِ ربِّ العالمينَ ، ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ﴾ .

وهُنَاكَ مَنْ يخذلُهمْ اللهُ سبحانَهُ عنْ الخيرِ تثبيطَاً وخُذلَاناً ، وذلِك لأنَّهمْ تركُوا طاعتَهُ إعراضَاً وعِصياناً ، ومِثالُ ذلكَ مَا كانَ مِنَ المُنافقينَ عندمَا تكاسَلُوا عَنِ الخروجِ للجهادِ ، فَقَالَ فِيهِم : ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَٰكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ﴾ .

ومِنْ توفيقِ اللهِ تعالى للعبدِ أنْ يَجعَلْ لهُ مِنْ أزواجِه وذريَّتِه قُرَّةَ العَينِ ، وأنْ يُعينَهُ علَى برِّ والديهِ وصِلَةِ الأقربينَ ، فتجتمعُ لهُ بهذِه الفضائلِ الجميلةِ : طولُ العُمُرِ ، وبركةُ الرِّزقِ ، وبهجةُ الحياةِ ، وبحبوحةُ الجنَّةِ ، فَمَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ أَوْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ .

أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى لِي وَلَكُمْ ولجميعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كَلِّ ذَنْبٍ فَاِسْتَغْفَرُوهُ ، إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرحيمُ .

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى إحْسَانِهِ ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَاِمْتِنانَهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إلّا اللهُ وَحْدِهُ لَا شَرَيكَ لَهُ تَعْظِيمًا لِشَأْنِهِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الدَّاعِي إِلَى رِضْوانِهُ ، صَلَّى اللهُ عَلَيه وَعَلَى آلِه وَأَصْحَابَهُ .

أَمَّا بَعْدُ : عِبَادَ اللَّهِ : وَمِنْ تَوْفِيقِ اللهِ على العبدِ أنْ يَصُبَّ عليهِ الخيرَ صبَّاً ، وتهبُّ عليهِ رياحُ الرِّضا هبَّاً ، فلَا تجدُه إلَّا راضيَّاً بقضَاءِ الحكيمِ ، مُستبشراً بالغيبِ حُسْنَ ظَنٍّ بالكريمِ ، يعلمُ أنَّ مَا أخطَأهُ لمْ يكنْ ليصيبَهُ ، ومَا أصابَه لمْ يَكُنْ ليُخطئَهُ ، ويعلمُ أنَّ النَّصرَ مع الصبرِ ، وأنَّ الفَرَجَ معَ الكَرْبِ ، وأنَّ مَعَ العُسرِ يُسراً ، فهوَ  يَحْيَا حياةً مُختلفةً ، كلُّ مَا فيهَا جميلٌ وحَسَنٌ ، وهَلْ يَأتِي مَنْ اللهِ تعالى إلَّا الحَسنُ ؟ .

ومِنْ توفيقِ اللهِ تعالَى للعبدِ أنَّه إذَا عاشَ علَى التَّوفيقِ مَاتَ علَى التَّوفيقِ ، فعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ» ، فَقِيلَ : كَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ ، قَالَ : «يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ قَبْلَ الْمَوْتِ» .

ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يؤتيهِ مِنْ يُشَاءُ ، وَصَدَقَ اللهُ : ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَىٰ مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ .

فاسألُوا اللهَ التوفيقَ ، فإنَّ التوفيقَ من عندِه سبحانَه ، اسأَلوه أنْ يوَفِّقَكم ويحبِّبَ إليكم الإيمانَ ، ويزيِّنَه في قلوبِكم .

أيها المؤمنون ، صلُّوا وسلّموا على رسولِكم ، فإنَّ اللهَ أَمَرَكُم بذلك في قوله : ﴿إِنَّ اللَّـهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ، وقد ثبت عن رسول الله r : «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى اللهُ عليه بها عشراً» ، اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على نبينا محمّدٍ ، وعلى آله وصحبِه أجمعين .

اللهم إنا نعوذُ بك من فتنةِ النارِ وعذابِ النار ، وفتنةِ القبر ، وعذابِ القبر ، وشرِّ فتنةِ الغِنى ، وشرِّ فتنةِ الفقر ، اللهم إنا نعوذُ بك من شرِّ فتنةِ المسيحِ الدجال ، اللهم اغسلْ قلوبَنا بماءِ الثلجِ والبردِ ، ونقِّ قلوبَنا من الخطايا كما نقيت الثوبَ الأبيضَ من الدَّنَس ، وباعدْ بيننا وبين خطايانا كما باعدت بين المشرقِ والمغرب ، اللهم إنا نعوذُ بك من الكسلِ والمأثمِ والمـغْرمِ  .

اللهم إنا نعوذُ بك من العجزِ والكسلِ ، والجُبْنِ والهرمِ والبخلِ ، وأعوذ بك من عذابِ القبرِ ، ومن فتنة المحيا والمماتِ  .

اللهم إنا نعوذُ بك من جهدِ البلاءِ ، ودَرَكِ الشقاءِ ، وسوءِ القضاءِ ، وشماتةِ الأعداء ، اللهم إنا نسألك الهدى ، والتقى ، والعفافَ ، والغنى  .

اللهم أصلح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرِنا ، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا ، وأصلح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا ، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كلِّ خيرٍ ، واجعل الموتَ راحةً لنا من كلِّ شرٍّ  .

اللهم أصلح ولاةَ أمرِنا ، اللهم وفِّقْهُم لكلِّ ما فيه خيرُ البلادِ والعبادِ  .

اللهم احفظ بلادَنا وبلادَ المسلمين ، اللهم أدمْ علينا نعمةَ الأمنِ ، اللهم افتح لنا في أرزاقِنا وأقواتِنا ، اللهم احفظنا بحفظِك ، اللهم ردَّ كيدَ أعدائنا  ، اللهم من أرادنا بسوءٍ فاجعلْ كيدَه في نحرِه ، اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا ، وأحيائنا وأمواتنا .

سبحان ربك ربِّ العزَّةِ عما يصفون ، وسلامٌ على المرسلين ، والحمدُ لله ربِّ العالمين  .

 

 

انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية

قناة التيلغرام :

t.me/kutab

بعد اكتمال العدد في المجموعة ١٨ تقريبا
تم إنشاء مجموعة خطب منبرية ١٩

https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo