أَهَـمِّـيَّـةُ الأُسْـرَةِ فِـي الإِسْـلاَمِ
- بتاريخ : الثلاثاء 23 رجب 1444ﻫ
- مشاهدات :
أَهَـمِّـيَّـةُ الأُسْـرَةِ فِـي الإِسْـلاَمِ
الخطبةُ الأولى
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ ، بَعَثَهُ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا ؛ اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَسَلِّمْ تَسْلِيمًا كَثِيرًا .
أمَّا بَعْدُ : فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ : أُوْصِيْكُم وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
أَيُّهَا المُسْلِمُونَ : لَا رَيْبَ أَنَّ الْمُجْتَمَعَ يَتَكَوَّنُ مِنَ الْأُسْرَةِ، وَالْأُسْرَةَ تَتَكَوَّنُ مِنَ الْأَفْرَادِ ، كَالْبِنَاءِ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنَ الْأَسَاسِ وَاللَّبِنَاتِ ، وَبِقَدْرِ قُوَّةِ الْأَسَاسِ وَقُوَّةِ اللَّبِنَاتِ وَانْتِظَامِهَا يَكُونُ الْبِنَاءُ صَرْحَاً شَامِخًا ، وَحِصْنًا رَاسِخًا ، كَذَلِكَ الْمُجْتَمَعُ الْإِنْسَانِيُّ إِنَّمَا يَكُونُ صَالِحًا بِصَلَاحِ الْأَفْرَادِ وَالْأُسَرِ الَّتِي يَتَكَوَّنُ مِنْهَا ، وَلِذَا اهْتَمَّ الْإِسْلَامُ اهْتِمَامَاً بَالِغَاً بِتَكْوِينِ الْأُسْرَةِ ، وَذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ جَوَانِبَ :
أَوَّلُهَا : اخْتِيَارُ الزَّوْجَيْنِ الصَّالِحَيْنِ : قَالَ نَبِيُّنَا ﷺ : «إذَا أَتَاكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ؛ وَقَالَ ﷺ : «الدُّنْيَا مَتَاعٌ ، وَخَيْرُ مَتَاعِ الدُّنْيَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
الثَّانِي : الْمُعَاشَرَةُ بِالْمَعْرُوفِ وَالْمَوَدَّةُ وَالرَّحْمَةُ : قَالَ اللهُ تَعَالَى : ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ ؛ وَقَالَ تَعَالَى :﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ ، نَعَمْ لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا ، وَيُحَقِّقَ الْاِسْتِقْرَارَ وَالطُّمَأْنِينَةَ بِأَسْمَى مَعَانِيهَا ، فَكَلٌّ مِنَ الزَّوْجَيْنِ يَجِدُ فِي صَاحِبِهِ الرَّاحَةَ وَالسَّكَنَ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ ، قَالَ قَتَادَةُ رَحِمَهُ اللهُ : «هُنَّ سَكَنٌ لَكُمْ ، وَأَنْتُمْ سَكَنٌ لَهُنَّ» .
الثَّالِثُ : أَدَاءُ الْحُقُوقِ الزَّوْجِيَّةِ الَّلَازِمَةِ : قَالَ تَعَالَى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ، وَقَالَ نَبِيُّنَا ﷺ : «الرَّجُلُ رَاعٍ في أهْلِهِ وَمَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأةُ رَاعِيَةٌ في بيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْؤُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا» مُتَّفَقٌ عَلَيهِ.
فَالرَّجُلُ لَهُ حَقُّ الْقِوَامَةِ وَهِيَ حِمَايَةٌ لِلْمَرْأَةِ وَإِرْشَادٌ ، وَلَيْسَتْ لِلْإهَانَةِ وَالْاِسْتِعْبَادِ ، وَقَدْ مَيَّزَ اللهُ تَعَالَى بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فِي الْخَلْقِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ؛ وَهَيَّأَ الْخَالِقُ الرَّجُلَ لِوَظَائِفَ مُعَيَّنَةٍ تُوَافِقُ خِلْقَتَهُ وَأَحَالَهُ لأَدَائِهَا ، وَهَيَّأَ الْمَرْأَةَ لِوَظَائِفَ مُعَيَّنَةٍ تُوَافِقُ خِلْقَتَهَا وَأَحَالَهَا لأَدَائِهَا ، فَإِذَا تَحَوَّلَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ وَظِيفَتِهِ فَقَدْ كَلَّفَ نَفْسَهُ مَا لَا تُطِيقُ ، وَتَسَبَّبَ بِانْحِرَافَ الْأُسْرَةِ عَنْ مَسَارِهَا الصَّحِيحِ .
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ ، وَنَفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا فِيهِ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ، أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، فَاسْتَغْفِرُوهُ وَتُوبُوا إِلَيْهِ ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ .
الخطبةُ الثانيةُ
الحَمْدُ للهِ وكَفَى ، والصَّلاةُ والسَّلامُ عَلى رَسِولِهِ المُصْطَفَى ، وعَلى آلِهِ وصَحبِهِ ومَن سَارَ عَلى نَهْجِهِ واقْتَفَى . أمَّا بَعْدُ : فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى .
أَيُّهَا المُسْلِمُوْنَ : مِنَ الْجَوَانِبِ الْعَظِيمَةِ فِي اهْتِمَامِ الْإِسْلامِ بِالْأُسْرَةِ :
الرَّابِعُ : تَرْبِيَةُ الْأَبْنَاءِ تَرْبِيَةً صَالِحَةً ؛ وَذَلِكَ بِتَرْسِيخِ الْإِيمَانِ ، وَالتَّحْذِيرِ مِنَ الشِّرْكِ وَالْعِصْيَانِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ، وَقَالَ تَعَالَى : ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ ؛ كَذَلِكَ : أَمْرُهُمْ بِالْفَرَائِضِ وَأَعْظُمُهَا الصَّلَاَةُ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ ؛ كَذَلِكَ : تَرْبِيَتُهُمْ عَلَى الْأَخْلَاَقِ الْفَاضِلَةِ وَالْآدَابِ الْحَسَنَةِ ، قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «مَا نَحَلَ وَالِدٌ وَلَدًا مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أَدَبٍ حَسَنٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ .
الْخَامِسُ : عَلَى الْأَبْنَاءِ رَدُّ بَعْضِ الْجَمِيلِ إِلَى الْوَالِدِينَ وَالْإِحْسَانُ لَهُمَا ، وخَفْضُ الْجَنَاحِ وَالدُّعَاءُ لَهُمَا ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ الْكِبَرِ ، قَالَ تَعَالَى : ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ .
فَاللهَ اللهَ فِي الْمُحَافَظَةِ عَلَى كِيَانِ الْأُسْرَةِ مِنَ الدَّمَارِ ، وَعَلَى بُنْيَانِهَا مِنَ الْاِنْهِيَارِ ، فَهِيَ قِوَامُ الْمُجْتَمَعِ وَأَسَاسُ اسْتِصْلَاحِهِ وَازْدِهَارِهِ .
طَهِّرُوا بُيُوتَكُمْ مِنَ الْمَعَاصِي وَالْمُنْكَرَاتِ ، وَأَلْزِمُوا أَهْلَكُمْ بِالْفَرَائِضِ وَالْوَاجِبَاتِ ، وَحَثُّوهُمْ عَلَى التَّخَلُّقِ بِالْفَضَائِلِ وَالْمُسْتَحَبَّاتِ .
أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ .
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ جَلَّ في عُلَاهُ : ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ . اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ . اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ .
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ . اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا . اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ الْمَلِكَ سَلْمَانَ بْنَ عبدِالعَزيزِ ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ الْأَمِيرَ مُحَمَّدَ بْنَ سَلْمَانَ بِتَوْفِيقِكَ وَأَيِّدْهُمَا بِتَأْيِيدِكَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ .
اللَّهُمَّ انْصُرْ جُنُودَنَا الْمُرَابِطِينَ ضِدَّ الْمُعْتَدِينَ ، وَفِي الْدَّاخِلِ ضِدَّ الْمُفْسِدِيْنَ .
اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ وَمَا قَرَّبَ إِلَيْهَا مِنْ قَوْلٍ وَعَمَلٍ وَاعْتِقَادٍ ، إِنَّكَ أَنْتَ الْكَرِيمُ الْجَوَادُ .
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ، ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ* وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ * وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ .
انتقاء وتنسيق مجموعة خطب منبرية
قناة التيلغرام :
t.me/kutab
بعد قرب اكتمال العدد في مجموعة 18 تم إنشاء مجموعة خطب منبرية 19
https://chat.whatsapp.com/IjHoqRhJJtbLFYw2XqdmQo