بني الإسلامُ على خَمْسٍ (وتتضمن حث المسلم على المبادرة بالحج للمستطيع)

بني الإسلامُ على خَمْسٍ
(وتتضمن حث المسلم على المبادرة بالحج للمستطيع)
الخطبة الأولى
إنَّ الحمدَ لله، نَحمَدُهُ سبحانَه ونستعينُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، مَنْ يهدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هاديَ له، وأشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُه ورسولُه، وصلَّى اللهُ وسَلَّمَ على نبيِّنَا محمَّدٍ وآلِه وصحبِه، ومَنْ تَبِعَه بإحسانٍ إلى يومِ الدينِ. أمَّا بعدُ: فإنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ اللهِ، وخيرُ الهديِ هديُ محمَّدٍ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ، وشرَّ الأمورِ مُحْدَثَاتُها، وكلَّ مُحْدَثَةٍ بدعةٌ، وكلَّ بدعَةٍ ضلالةٌ، وكلًّ ضلالةٍ في النارِ. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
عبادَ اللهِ، ما قَامَ بناءٌ إلا بأركانِه، فَإِنِ اختَلَّ أحدُ هذه الأركانِ تهاوَى البناءُ وتَدَاعَى، وقُوَّةُ البناءِ وضَعفُه من قوَّةِ أركانِه ومَتَانَتِها، ففي صحيحِ البخاريِّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌بُنِيَ ‌الإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».
الإسلامُ هو الدِّيْنُ، وأركانُه خَمْسٌ بها يقومُ، وعليها يكونُ بناؤُه، فَمَنْ حَقَّقَها على ما أمَرَ اللهُ به ورسولُه، قامَ دينُه، وصحَّ إيمانُه، فإنْ أخلَّ بشيءٍ منها تَهَاوَى دينُه.
فالركنُ الأوَّلُ الشهادتان، شهادَةُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ، وشهادَةُ أنَّ محمَّداً صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ رسولُ اللهِ.
وشهادَةُ أنْ لا إلهَ إلا اللهُ؛ معناها: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ، فهيَ إخلاصُ الطاعَةِ للهِ واجتنابُ الشركِ، ولهذا كان كُفَّارُ قريشٍ لِعِلْمِهِم بمعنى (لا إلهَ إلا اللهُ)، ما رَضُوا أنْ يَقَولُوها؛ لأنَّها تُلْزِمُهم بإخلاصِ الدينِ للهِ وحْدَه؛ قالَ تعالى على لسانِهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
وشهادَةُ أنَّ محمدًا رسولُ اللهِ تقتضِي تصديقَه فيما أخبرَ وطاعَتَه فيما أَمَرَ، واجتنابَ ما نَهَى عنه وزَجَرَ، وأنْ تكونَ عبادةُ اللهِ تَبَعَاً لما جاءَ به من عندِ ربِّه، ففي صحيحِ مُسْلِمٍ أنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَا ‌نَهَيْتُكُمْ ‌عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَافْعَلُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ»، فلا تصحُّ العبادَةُ إلا بهذين الشرطينِ: الإخلاصِ والمتابَعَةِ.
إنَّ الشهادتينِ يَدْخُلُ بها المرءُ الإسلامَ، وهي مفتاحُ الجَنَّةِ؛ قالَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «مَنْ كانَ ‌آخرُ ‌كلامِهِ: لا إلهَ إلا اللهُ؛ دَخَلَ الجنَّةَ» رواه أبو داود وهو حديثٌ صحيحٌ.
وأمَّا الركنُ الثاني فهي الصلاةُ، وهي عَمُودُ الدينِ الذي عليه يقومُ، قَالَ صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «‌رَأْسُ ‌الْأَمْرِ ‌الْإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ» رواه النسائي وهو حديث صحيح.
فهي أظْهَرُ أركانِه وأكثرُها تَكرارًا في اليومِ والليلةِ، وإقامَتُها أنْ تكونَ كاملةَ الشروطِ والأركانِ والواجباتِ، لا يخْتَلُّ منها شيءٌ كما أقامَهَا رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ القائلُ: «صَلُّوا ‌كَمَا ‌رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» رواه البخاريُّ.
وأنْ يؤدِّيَها جماعةً مع المسلمينَ في المسجِدِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: جَاءَ أَعْمَى إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلَى الصَّلَاةِ، فَسَأَلَهُ أَنْ يُرَخِّصَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ قَالَ لَهُ: «‌أَتَسْمَعُ ‌النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ؟»، قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: «فَأَجِبْ» رواه النسائي.
وحذَّر اللهُ عبادَه من التهاوُنِ في أدائِها: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾.
وفي صحيحِ مسلمٍ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «‌تِلْكَ ‌صَلَاةُ ‌الْمُنَافِقِ، يَجْلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْسَ حَتَّى إِذَا كَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيِ الشَّيْطَانِ، قَامَ فَنَقَرَهَا أَرْبَعًا، لَا يَذْكُرُ اللهَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا»، كحالِ مَنْ يَضَعُ الـمُنَبِّهَ على وقتِ العَمَلِ ليقومَ وقدْ مضَى وقتُ الصلاةِ، وقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾. وقد دَلَّت النصوصُ أنَّ تركَ الصلاةِ كفرٌ، ففي صحيحِ مسلمٍ قالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ ‌تَرْكَ ‌الصَّلَاةِ».
والركنُ الثالثُ: الزَّكَاةُ، وهي نصيبٌ مقدَّرٌ من المالِ أوجبَه اللهُ للفئاتِ المستَحِقَّةِ له في وقتٍ محدَّدٍ، وقد قالَ الله تعالى في وجوبِ إخراجِها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.
أمَّا الركنُ الرابعُ فهو الصيامُ للهِ؛ قَالَ اللَّهُ تعالى في الحديثِ القدسِيِّ: «كُلُّ ‌عَمَلِ ‌ابْنِ ‌آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ» رواه البخاري.
والركنُ الخامِسُ هو حَجُّ بيتِ اللهِ الحرامِ لمن استطاعَ إليه سبيلاً، قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾.
فإنْ كانَ المكلَّفُ مستطيعاً وجَبَ عليه الحَجُّ على الفورِ، وأَثِمَ على تفريطِه، فإنَّه لا يعلَمُ ما يحدُثُ له بعد ذلك من موانعَ أو صوارفَ تَمنعُه من الحجِّ.
عبادَ اللهِ، الحجُّ ركنٌ من أركانِ الإسلامِ، فرضَهُ اللهُ في العُمُرِ مرَّةً واحدةً، فبادِرْ أيُّها المسلمُ بأدائِه إذا كنتَ قادراً.
والتفريطُ فيه مع القدرةِ مخاطَرَةٌ كبيرةٌ.
تذكَّرْ أنَّ الأجَلَ لا يعلَمُه إلا اللهُ، وأنَّ القوَّةَ قدْ يَعْقِبها عَجْزٌ، والغِنَى قدْ يَتْبَعُه فَقْرٌ، فلا تُؤَجِّلْ فريضةً فرضَهَا اللهُ عليكَ.
على أنْ يكونَ حَجُّكَ بتصريحٍ نظامِيٍّ، فإنَّ الحجَّ بلا تصريحٍ مخالَفَةٌ لوليِّ الأمرِ، وفيه من المفاسِدِ العامَّةِ مالا يخْفَى.
أقولُ ما تسمعونَ، وأستغفرُ اللهَ العظيمَ لي ولكم من كلِّ ذنبٍ، إنَّه هو الغفورُ الرحيمُ.
الخطبة الثانية
الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وحدَهُ لا شرِيكَ له، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وسلَّمْ عَلَى نبيِّنا مُحَمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ أجمعين. أَمَّا بَعْدُ:
أيُّها المؤمنونَ، هذه أركانُ الإسلامِ الخمسَةُ التي بُنيَ عليها الدينُ، فَمَنْ أتَى بها وأقَامَها صَلَحَ دينُه، فلا يجوزُ لمسلمٍ أنْ يتهاونَ بها، ولا يجوزُ له أنْ يفرِّطَ في شيءٍ منها، ويجبُ عليه أنْ يحرصَ كلَّ الحرصِ على تعلُّمِ أحكامِها مما لا يسوغُ جهلُه، وتعليمِها لمن وكَّله اللهُ أمرَه، قالَ صلَّى اللهُ عليه وسَلَّمَ: «‌كُلُّكُمْ ‌رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْؤُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ».
عِبَادَ اللهِ : قَالَ اللهُ – جَلَّ في عُلَاهُ – : ﴿إِنَّ اللهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى عَبْدِكَ وَنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ. اللَّهُمَّ ارْضَ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَالصَّحَابَةِ أَجْمَعِيْنَ، وَأَتْبَاعِهِمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.
اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ وَالْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَانْصُرْ عِبَادَكَ الْمُوَحِّدِيْنَ. اللَّهُمَّ آمِنَّا فِي أَوْطَانِنَا وَأَصْلِحْ وُلَاةَ أُمُورِنَا. اللَّهُمَّ وَفِّقْ وَلِيَّ أَمْرِنَا خَادِمَ الْحَرَمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ، وَوَلِيَّ عَهْدِهِ الْأَمِينَ بِتَوْفِيقِكَ وَتَأْيِيدِكَ، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللهُمَّ يَا خَيْرَ الحَافِظِينَ احفظْ بِلادَنا وَبِلادَ المُسْلِمِينِ مِن كَيدِ الكَائِدِينَ وعُدْوانِ الْمُعتدينَ، اللَّهُمَّ احْفَظْ لِبِلَادِنَا دِينَها وَعَقِيدَتَها وَأَمْنَها وَعِزَّتَها وَسِيادَتَها، اللَّهُمَّ أَصْلِحْ أَهْلَها وَانْصُرْ جُنُودَها وَاحْمِ حُدُودَها وَاحْرُسْ أَرْضَهَا وَسَمَاءَهَا وَبَاركْ في خَيْرَاتِهَا وَأَرزَاقَهَا يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِأَعْدائِها فِي الدَّاخِلِ وَالْخارِجِ، اللَّهُمَّ أَخْرِجْها مِنَ الْفِتَنِ وَالشُّرُورِ وَالْآفَاتِ يَا مَن لا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأَرضِ وَالسَّمَاوَات.
اللَّهُمَّ فَرِّجْ هَمَّ الْمَهْمُومِيْنَ مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ، وَنَفِّسْ كَرْبَ الْمَكْرُوبِيْنَ، وَاقْضِ الدَّيْنَ عَنِ الْمَدِينِيْنَ، وَاشْفِ مَرْضَاهُمْ، وَاغْفِرْ لِمَوْتَاهُم، يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ.
اللَّهُمَّ ادْفَعْ عَنَّا الْغَلَاءَ وَالْوَبَاءَ وَالرِّبَا، وَالزِّنَا، وَالزَّلَازِلَ وَالْمِحَنَ، وَسُوءَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، عَنْ بَلَدِنَا هَذَا خَاصَّةً وَسَائِرِ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَامَّةً.
عِبَادَ اللهِ : ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. فَاذْكُرُوا اللهَ الْعَظِيمَ الْجَلِيلَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكُرُوهُ عَلَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ، وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ.
◙ قناة التيلغرام :
https://t.me/kutab
◙ الموقع الاكتروني :
https://kutabmnbr.com/
◙ وصلنا ولله الحمد إلى 20 مجموعة واتس ، وهذا رابط المجموعة رقم 9
https://chat.whatsapp.com/CMRUPGROq9SJQs2mjDbx6k